الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
378
مختصر الامثل
الآية الأولى - من هاتين الآيتين - تشير إلى جزاء المرأة المحصنة التي تزني . فتقول : « وَالتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ » . وعلى هذا يكون جزاء المحصنة التي ترتكب الزنا في هذه الآية هو الحبس الأبدي . ولكنه تعالى أردف هذا الحكم بقوله : « أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » . فإذن لابدّ أن يستمر هذا الحبس في حقهن إلى الأبد حتى يأتي أجلهن ، أو يعين لهن قانون جديد من جانب اللَّه سبحانه . ويستفاد من هذه العبارة أنّ هذا الحكم ( أي : الحبس الأبدي للمحصنة الزانية ) حكم مؤقت ، وحكم آخر في المستقبل ( وبعد أن تتهيأ الظروف والأفكار لمثل ذلك ) . ثم إنّ اللَّه سبحانه يذكر بعد ذلك حكم الزنا عن غير إحصان إذ يقول : « وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَاذُوهُمَا » . ويقصد أنّ الرجل غير المحصن أو المرأة غير المحصنة إن أتيا بفاحشة الزنا فجزاؤهما أن يؤذيا . إنّ الحكم المذكور في هذه الآية ( أي الإيذاء ) عقوبة كلية ، يمكن أن تكون الآية الثانية من سورة النور التي تذكر أنّ حد الزنا هو ( 100 ) جلدة لكل واحد من الزاني والزانية تفسيراً وتوضيحاً لهذه الآية وتعييناً للحكم الوارد فيها . ثم إنّ اللَّه سبحانه بعد ذكر هذا الحكم يشير إلى مسألة التوبة والعفو عن مثل هؤلاء العصاة ، فيقول : « فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا » . هذا ويستفاد من هذا الحكم - أيضاً - أنّه يجب أن لا يعير العصاة الذين رجعوا إلى جادة الصواب وتابوا وأصلحوا على أفعالهم القبيحة السابقة ، وأن لا يلاموا على ذنوبهم الغابرة . إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ( 18 )